خليل الصفدي

275

الوافي بالوفيات ( دار صادر )

فيه أربعمائة ألف دينار قال هذا المستراح ضيق قبيح البناء سدّوه ، فسدّ وعطّل المستراح . وكان حامد يجيز من يمدحه ويثيب من يقصده . وكثرت صدقاته وصلاته ورواتبه على الناس حتى أنه اجتاز بواسط رجل من أهل الكرخ وأمر غلامه أن يشتري له خبزا بدينار ويتصدّق به فأبطأ الغلام عليه إلى أن تعالى النهار ثم جاء فقال له : ما حسبك ؟ قال ابتعت الخبز وجلست عند الخباز أراعي من يجتاز من أهل المسكنة لأفرقه عليهم فلم أر أحدا ، فلما أطلت قال لي الخباز : ما بالك ؟ قلت : أريد أن أفرق هذا الخبز على المساكين ، فقال الخباز : إنك لا تجد أحدا يأخذه منك لأنّ جميع من في البلد من الضعفاء في جراية حامد بن العباس ولكل واحد منهم في اليوم رطلا خبز حوّاري ودانق فضة ، وقد منعهم من قبول صدقة غيره فهم لا يدعون راتبهم الحوّاري ويأخذون رطلي خشكار بحبتين . وكان حامد بن العباس يقدّم على موائده في كل يوم ، بعدد من يحضر الموائد ، جديا لكل واحد يوضع بين يديه ولا يشاركه فيه غيره فحضر يوما رجل فلما رأى ذلك هاله وقال : أيها الوزير أنت أحدثت في الطعام من الكرم كل شيء حسن وأحسنه أمر هذا الجدي وهو أمر لم تسبق إليه ، فكيف وقع لك ذلك ؟ فقال : كنت مرة في دعوة ، قبل علوّ حالي فقدّم على المائدة جدي وكان في فمي لقمة أنا مشغول بها فلمحت موضعا من الجدي استطيبته وعملت على أن أمدّ يدي إليه فأخذه من كان إلى جانبي وأكله فنغّص عليّ طعامي ، فاعتقدت في الحال إن اللّه وسّع عليّ ومكنني ، أن أجعل على مائدتي لكل من حضرها جديا يخصّ كل واحد لا يشاركه فيه غيره ليأكل ما أحبّ من الجدي . ولما قبض المقتدر على أبي الحسن ابن الفرات في وزارته الثانية في جمادى الأولى سنة ست وثلاثمائة طلب المقتدر حامد بن العباس وخرج الناس لتلقّيه ، فدخل بغداد وخلع عليه للوزارة وتوّجه إلى دار ابن الفرات